قلّما لسعت تجربةٌ إنسانية الأمثالَ كما لسعها نكران الجميل: أن تُحسن إلى مَن يجحد إحسانك. جمعت العرب في ذلك أمثالاً موجعة وصادقة، نعرضها هنا بمعانيها وأصولها.
Few human experiences sting through proverbs like ingratitude: doing good to one who denies it. Arabic tradition distilled this into sayings both painful and true, presented here with their meanings and origins.
اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه
Beware the harm of the one you have treated well.
قد يقابل بعض الناس الإحسان بالإساءة، فإذا عجز اللئيم عن ردّ الجميل انقلب على المُحسن. يُضرب تحذيراً من نكران الجميل، لا نهياً عن الإحسان نفسه.
قولٌ مأثورٌ متداول تختلف نسبته في المصادر، فيجري مجرى الأمثال السائرة بلا قائلٍ ثابت.
جَزاءُ سِنِمّار
The reward of Sinimmār.
يُقال لمن جُوزِي على إحسانه بأقبح الجزاء؛ وسِنِمّارُ في أخبار العرب بنّاءٌ شيّد قصراً للنعمان فأُلقي من أعلاه لئلّا يبنيَ مثلَه لغيره. يُضرب في نُكران الجميل ومقابلة الإحسان بالإساءة.
من الأمثال العربية القديمة المبنيّة على خبرٍ مرويٍّ في كتب الأخبار والأمثال؛ وتفاصيلُ القصّة تختلف في المصادر، والمثَلُ نفسه سائرٌ معروف.
سمّن كلبك ياكلك
Fatten your dog and it will eat you.
قد يُقابل بعضُ الناس الإحسانَ بالعقوق، فيَقوى بما أعطيتَه ثمّ ينقلب عليك. يُضرب في نُكران الجميل، وتحذيراً من تقوية مَن لا يحفظ اليدَ التي أطعمَته.
من الأمثال الشعبية المتداولة في الخليج، ويجري على الألسنة في غيره من البلدان العربية بصيَغٍ متقاربة.
علمناه على الشحاذة سبقنا على الأبواب
We taught him to beg and he got to the doors before us.
قد يتعلّم المرءُ منك ثمّ ينسى فضلَك ويُزاحمك في رزقك ويسبقك إليه. يُضرب في نُكران الجميل ومنافسة المُتعلِّم لمُعلِّمه، وفيه سخريةٌ لاذعة.
من الأمثال الشعبية المتداولة في الخليج وفي غيره من البلدان العربية.
كمُجيرِ أمِّ عامر
Like the man who gave refuge to Umm ʿĀmir.
يُقال لمن أحسن إلى مَن لا يستحقّ الإحسان فكان جزاؤه الأذى؛ و«أمّ عامر» كنيةُ الضَّبُع في كلام العرب، ويُروى أنّ رجلاً أجارها من الصيّادين وسقاها فعدَت عليه. يُضرب في نُكران الجميل ومقابلة المعروف بالعقوق.
مثَلٌ عربيٌّ قديم يقوم على خبرٍ مرويٍّ في كتب الأمثال، وتختلف روايتُه في التفاصيل، والمثَلُ نفسه سائرٌ معروف.
يأكل الغلة ويسبّ الملة
He eats the harvest and curses the community.
يُقال لمن ينتفع بخير قومٍ أو بلدٍ أو بيتٍ ثمّ يجحد فضلَهم ويُسيء إليهم بلسانه. يُضرب في نُكران الجميل ومقابلة المعروف بالذمّ.
من الأمثال السائرة المتداولة في مصر والمغرب والجزائر وغيرها من البلدان العربية، فلا نخصُّه ببلد. ويُروى بصيغة الجمع «يأكلون الغلة ويسبّون الملة»، وبالعامّية «ياكل الغلة ويسب الملة».
قلبي على ولدي انفطر وقلب ولدي عليَّ حجر
My heart broke for my child; my child’s heart toward me is stone.
يُقال في حَسرة الوالد الذي أفنى عمرَه في رعاية ولده ثمّ لم يجد منه رحمةً ولا وفاءً. يُضرب في نُكران الجميل بين الأقربين، وهو أوجعُ ما يكون منه.
من الأمثال الشعبية المتوارثة المتداولة في أنحاء العالم العربيّ، فلا نخصُّه ببلد. ويُروى عَجُزُه بلفظ «وقلب ولدي على الحجر».
I taught him archery day after day, and when his arm grew strong he shot me.
يُقال لمن تعلَّم من صاحب الفضل عليه ثمّ استعمل ما تعلَّمه في الإساءة إليه. يُضرب في نُكران الجميل ومقابلة التعليم والتربية بالعقوق.
بيتٌ من الشعر العربيّ القديم سار مَسِيرَ الأمثال، تُنسب أبياتُه إلى معن بن أوس المزنيّ، ونُسبت أيضاً إلى مالك بن فهم الأزديّ، فالنسبةُ محلُّ خلاف. ويُروى صدرُه بلفظ «استدَّ ساعدُه» موضعَ «اشتدَّ»، ومن تمام الأبيات: «وكم علَّمته نظمَ القوافي / فلمّا قال قافيةً هجاني».
ومَن يَجعَلِ المعروفَ في غيرِ أهلِهِ يكنْ حَمدُهُ ذمّاً عليه ويَندَمِ
Whoever places a kindness where it does not belong will find his praise turned to blame — and will regret it.
مَن أحسن إلى مَن لا يستحقّ الإحسان لم يلقَ شُكراً بل لقي ذمّاً، وأعقبه ذلك ندماً على معروفٍ وضعه في غير موضعه. يُضرب في نُكران الجميل، وفي وجوب النظر فيمن يُوضَع فيه المعروف.
يُنسَب إلى زهير بن أبي سُلمى، وتختلف الشروحُ والرواياتُ في لفظ البيت في هذا الموضع من المُعلَّقة: فشرحُ الزوزنيّ للمعلَّقات يُثبِت في موضعه — بين حِكَم زهير نفسِه — «ومَن يَجعَلِ المعروفَ من دونِ عِرضِهِ / يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشتمَ يُشتَمِ»، بينما تُورِد مراجعُ أخرى البيتَ المشهور بلفظ «في غيرِ أهلِهِ». وهو سائرٌ على الألسنة كذلك بلفظ «ومَن يَصنَعِ المعروفَ». فنحكي الخلافَ ولا نُرجِّح إحدى الروايتين على أنها نصُّ المُعلَّقة.
إذا أنتَ أكرمتَ الكريمَ ملكتَه وإن أنتَ أكرمتَ اللئيمَ تمرَّدا
Honour a noble man and you have won him; honour a base one and he turns insolent.
الإحسانُ يستَلُّ قلبَ الكريم فيصير لك، أمّا اللئيم فيحمِل الإحسانَ على غير وجهه فيَجحَده ويزيد تطاولاً. يُضرب في نُكران الجميل، وفي أنّ المعروفَ يُوضَع بحسب مَن يُوضَع فيه.
بيتٌ لأبي الطيّب المتنبّي من قصيدته «لكلِّ امرئٍ من دهره ما تعوَّدا»، وقد سار مَسِيرَ الأمثال؛ ويليه فيها قولُه: «ووضعُ النَّدى في موضع السيفِ بالعُلا / مُضِرٌّ كوضعِ السيفِ في موضع النَّدى». وهو شِعرٌ معروفُ القائل لا مثَلٌ مجهولُ الأصل.
للعربية أسرةٌ كاملة من الأمثال في نكران الجميل: «جَزاءُ سِنِمّار» لمن جُوزي على إحسانه بأقبح الجزاء، و«سمّن كلبك ياكلك» لمن يقوى بما أعطيتَه ثمّ ينقلب عليك، و«يأكل الغلة ويسبّ الملة» لمن ينتفع بخير قومٍ ثمّ يجحد فضلَهم ويُسيء إليهم بلسانه.
Which Arabic proverbs are about ingratitude? Arabic has a whole family of sayings for ingratitude: “the reward of Sinimmār” (جزاء سنمّار) for good work repaid with the ugliest recompense, “fatten your dog and it will eat you” (سمّن كلبك ياكلك) for someone who grows strong on what you gave him and then turns on you, and “he eats the harvest and curses the community” (يأكل الغلة ويسبّ الملة) for one who lives off a people’s good and then speaks ill of them.
ما قصة المثل «جَزاءُ سِنِمّار»؟
سِنِمّار في أخبار العرب بنّاءٌ شيّد قصراً للنعمان فأُلقي من أعلاه لئلّا يبنيَ مثلَه لغيره، فصار «جَزاءُ سِنِمّار» مثلاً لمن قُوبل إحسانُه بالأذى. وتختلف تفاصيلُ الخبر في المصادر التي أوردته، أمّا المثَلُ نفسه فسائرٌ معروف.
What is the story behind the proverb «جزاء سنمّار»? In Arab lore Sinimmār was the builder who raised a palace for al-Nuʿmān and was thrown from its top so that he could never build its like for anyone else — hence “the reward of Sinimmār” for a service answered with injury. The details of the tale differ between the sources that record it, while the proverb itself is long established.
هل تعني الأمثال عن نكران الجميل أن نكفَّ عن الإحسان؟
لا، فهي تحذيرٌ من الناس لا نهيٌ عن الإحسان. فمثل «اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه» تحذيرٌ من أنّ بعضهم يقابل المعروف بالإساءة، وبيتُ المتنبي في أنّ إكرام الكريم يملِكه وإكرام اللئيم يزيده تمرُّداً يدعو إلى النظر فيمن يُوضَع فيه المعروف، لا إلى منعه.
Do proverbs about ingratitude mean one should stop doing good? No — they warn about people, not about kindness. “Beware the harm of the one you have treated well” (اتق شر من أحسنت إليه) cautions that some repay a favour with injury, and al-Mutanabbī’s line that honouring a noble man wins him over while honouring a base one only makes him more overbearing asks you to weigh who a favour is placed with, not to withhold it.